سلسلة حياتك السعيدة المقال (24): جبرُ الخواطرِ.. الطريقُ المختصرُ لرضا الخالقِ

الدكتور / عثمان عبد العزيز آل عثمان
ما عُبِدَ اللهُ تعالى بعد توحيدِه بمثلِ الإحسانِ إلى عبادِه، ومن أجلِّ صورِ الإحسانِ وأعظمِها أثرًا جبرُ الخواطرِ؛ فهو عبادةٌ خفيَّةٌ، لا تحتاجُ إلى مالٍ وفيرٍ، ولا إلى جاهٍ عريضٍ، وإنما تحتاجُ إلى قلبٍ رحيمٍ، ولسانٍ طيِّبٍ، ونيةٍ صادقةٍ. والسعادةُ الحقيقيةُ ليست في كثرةِ ما نملك، وإنما في كثرةِ ما نمنحُه للآخرين من رحمةٍ، ومودَّةٍ، وإحسانٍ، وأملٍ.
فمن جبرَ خاطرَ مكسورٍ، أو واسى مهمومًا، أو أعانَ محتاجًا، أو خفَّفَ عن مكروبٍ، أو أدخلَ السرورَ على قلبِ يتيمٍ أو مريضٍ أو كبيرِ سنٍّ، جبرَ اللهُ تعالى خاطرَه في أشدِّ مواقفِ حياتِه، وفتحَ له أبوابَ الفرجِ من حيثُ لا يحتسب، وجعلَ له من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كلِّ ضيقٍ مخرجًا، ومن كلِّ بلاءٍ عافيةً.
وفي هذه المحطةِ الإيمانيةِ، نتعلَّمُ أنَّ جبرَ الخواطرِ قد يكونُ بكلمةٍ طيبةٍ، أو ابتسامةٍ صادقةٍ، أو دعوةٍ بظهرِ الغيبِ، أو إنصاتٍ صادقٍ، أو عفوٍ عند المقدرةِ، أو موقفٍ كريمٍ يبقى أثرُه في القلوبِ أعوام طويلةً. وما أعظمَها من عبادةٍ تُنيرُ القلبَ، وتشرحُ الصدرَ، وتزيدُ الرزقَ بركةً، والعمرَ خيرًا، وتغرسُ المحبةَ بين الناس.
تأملات (231–240):
231. الثقةُ باللهِ تعالى تُغني عن الخوفِ من ظلمِ الأقوياءِ؛ فاللهُ سبحانه وتعالى أقوى من كلِّ قويٍّ، ومن توكَّل عليه كفاه، ومن وثقَ بوعدِه عاش مطمئنَّ القلبِ، قريرَ العينِ، بفضلِ اللهِ تعالى.
232. الهدوءُ النفسيُّ يُحسِّنُ مهاراتِ الاستشارةِ والنصحِ؛ فالناصحُ الهادئُ يفتحُ القلوبَ المغلقةَ، وبالكلمةِ اللينةِ تبلغُ النصيحةُ أثرَها، ويكتبُ اللهُ تعالى لها القبولَ.
233. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى يمنحُك القوةَ عند فقدِ المالِ؛ فالمالُ يذهبُ ويعودُ، أمَّا الرزَّاقُ سبحانه فباقٍ، ومن رضي بما قسمَ اللهُ تعالى له، عوَّضَه خيرًا مما فقد، وأبدلَه من فضلِه ما هو خيرٌ وأبقى.
234. السكينةُ القلبيةُ ثمرةٌ لتركِ الغيبةِ والنميمةِ؛ فطهارةُ اللسانِ عنوانُ طهارةِ القلبِ، ومن كفَّ أذاه عن الناسِ، كفاه اللهُ عزوجل همومَ الدنيا، وألبسَه لباسَ السكينةِ والطمأنينةِ.
235. القربُ من اللهِ تعالى يمنحُك الأنسَ في الوحشةِ؛ فإذا ابتعدَ الناسُ عنك، وجدتَ مع اللهِ رب العالمين أُنسًا لا ينقطعُ، وغنًى لا ينفدُ، وسكينةً تملأُ قلبَك بفضلِه سبحانه وتعالى.
236. صفاءُ القلبِ للهِ تعالى يورثُ التوفيقَ في إصلاحِ ذاتِ البينِ؛ فالمصلحُ يحتاجُ إلى قلبٍ سليمٍ، وبقدرِ إخلاصِه يؤلِّفُ اللهُ تعالى به بين القلوبِ، ويجعلُه سببًا للمحبةِ والوئامِ.
237. الامتنانُ للهِ تعالى يحفظُ الروحَ من تعدادِ المحنِ؛ فالمؤمنُ الشاكرُ ينشغلُ بعدِّ نعمِ اللهِ تعالى عن عدِّ همومِه، فيزدادُ قلبُه رضا، ونفسُه طمأنينةً، وحياتُه سعادةً.
238. الوعيُ باللهِ تعالى يُهذِّبُ رغبةَ الرياءِ وحبِّ السمعةِ؛ فاعملْ للهِ تعالى في السرِّ قبل العلنِ، فإنَّ الإخلاصَ نورٌ في الوجهِ، وبركةٌ في العملِ، وسكينةٌ في القلبِ، ورفعةٌ في الدنيا والآخرةِ.
239. السعادةُ الحقيقيةُ هي السكينةُ الروحيةُ عند إغاثةِ الملهوفِ؛ فمن فرَّجَ عن مسلمٍ كربةً، فرَّجَ اللهُ تعالى عنه كرباتِ الدنيا والآخرةِ، وجعلَ له من رحماتِه أوفرَ الحظِّ والنصيبِ.
240. كلُّ منعٍ بقضاءِ اللهِ تعالى هو عينُ العطاءِ؛ فقد يمنعُك اللهُ تعالى أمرًا تُحبُّه؛ ليمنحَك ما هو خيرٌ لدينِك ودنياك وآخرتِك، فثقْ بحكمةِ ربِّك، وأحسنِ الظنَّ بتدبيرِه، فإنَّ اختيارَه لك خيرٌ من اختيارِك لنفسِك.
الخاتمة:
وفي ختامِ هذا المقالِ، تذكَّر أنَّ جبرَ الخواطرِ ليس خُلُقًا كريمًا فحسب، بل هو عبادةٌ عظيمةٌ، ورسالةُ إنسانيةٌ ساميةٌ، وطريقٌ مختصرٌ إلى رضا اللهِ تعالى ومحبةِ الناسِ. فكم من كلمةٍ طيبةٍ أعادت الحياةَ إلى قلبٍ أنهكَته الهمومُ، وكم من ابتسامةٍ صادقةٍ بدَّدت حزنًا، وكم من موقفٍ كريمٍ بقي أثرُه في الذاكرةِ سنواتٍ طويلةً، لأنَّ القلوبَ لا تنسى مَن أحسنَ إليها.
فاجعلْ لك في كلِّ يومٍ نصيبًا من جبرِ الخواطرِ، وأحسنْ إلى الناسِ ما استطعتَ، ولا تستصغرْ معروفًا مهما قلَّ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يضيعُ أجرَ المحسنين، ومن كان سببًا في إسعادِ غيرِه، جعلَ اللهُ تعالى السعادةَ رفيقةً لقلبِه، ومن فرَّجَ عن الناسِ همومَهم، فرَّجَ اللهُ رب العالمين عنه همومَ الدنيا والآخرةِ، ومن رحمَ عبادَ اللهِ، رحمَه أرحمُ الراحمين.
نسألُ اللهَ تعالى بأسمائِه الحسنى وصفاتِه العُلى أن يجعلَنا وإياكم من أهلِ الإحسانِ، وأن يرزقَنا القلوبَ الرحيمةَ، والألسنةَ الطيبةَ، والأعمالَ الصالحةَ، وأن يجعلَنا مفاتيحَ للخير، مغاليقَ للشر، وأن يجبرَ خواطرَنا وخواطرَ والدينا وأهلِنا وأحبابِنا، وجميعِ المسلمين والمسلمات، الأحياءِ منهم والأمواتِ، وأن يغفرَ لنا ولوالدينا، ويرحمَ موتانا وموتى المسلمين، ويشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، ويفرِّج همَّ المهمومين، وينفِّس كربَ المكروبين، ويقضي الديونَ عن المدينين، ويرزقَ الجميعَ من واسعِ فضلِه رزقًا حلالًا طيبًا مباركًا، ويباركَ لنا في أعمارِنا وأعمالِنا، ويجعلَ خيرَ أعمالِنا خواتيمَها، وخيرَ أيامِنا يومَ نلقاه، إنه سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعوات.
نراكم بإذنِ اللهِ تعالى في المقالِ القادمِ يومَ الخميس، مع تأملاتٍ جديدةٍ من سلسلة «حياتك السعيدة»، نسألُ اللهَ تعالى أن ينفعَ بها، ويجعلَها نورًا للقلوبِ، وزادًا للأرواحِ، وسببًا للهدايةِ والإصلاحِ والفلاحِ في الدنيا والآخرة.



