عندما تصبح مصالحة النفس أولوية

بقلم الإعلامي: صالح المحجم

ليس كل تحول يمر به الإنسان يُرى بالعين ، فبعض التحولات تبدأ في أعماق الروح
حين يتعب القلب من الركض ، وتشيخ المشاعر قبل أوانها، ويكتشف الإنسان أن أكثر ما أهمله طوال حياته…هو نفسه.
تأتي مرحلة لا يعود فيها السؤال: من بقي معي؟ ومن رحل عني؟
بل يصبح السؤال الأهم: ماذا بقي مني بعد كل ما فقدته؟
عندها يدرك الإنسان أن العمر أقصر من أن يُستهلك في ملاحقة من لا يريد البقاء، وأن الكرامة أثمن من أن تُستنزف في طلب الاهتمام ، وأن الطمأنينة لا تُشترى برضا الناس ، بل تُولد من رضا الإنسان عن نفسه.
لقد اعتدنا. بدافع الوفاء أو حسن النية. أن نقدم للآخرين أجمل ما لدينا، نصغي لهم، ونقف إلى جانبهم، ونؤجل احتياجاتنا من أجل سعادتهم.
لكننا نكتشف متأخرين أن العطاء الذي لا يعرف حدودًا قد يتحول إلى استنزاف، وأن من ينسى نفسه طويلًا قد لا يجدها حين يبحث عنها.
ومن اعتاد أن يُسعد من حوله، غالبًا لا ينتبه أحد إلى حزنه ؛ لأن الجميع اعتاد أن يراه قويًا يبتسم قبل أن يطمئن نفسه ، ويُطمئن الآخرين قبل أن يبوح بما في صدره، فيظنون أن من يجيد زرع السعادة لا يحتاج إلى من يزرعها في قلبه ، وأن من يوزع الطمأنينة لا يعرف القلق، بينما الحقيقة أن أكثر القلوب احتياجًا للاهتمام هي تلك التي لم تبخل يومًا بإسعاد الآخرين.
فهي تخفي انكساراتها خلف ابتسامة، وتؤجل آلامها حتى لا تُثقل أحدًا، وتكتفي بأن تكون السند للجميع، ولو كانت هي أشدهم حاجة إلى من يسندها.
ليست العزلة دائمًا هروبًا، وليست المسافة التي نصنعها بيننا وبين الآخرين قسوة.
ففي كثير من الأحيان تكون تلك المسافة علاجًا، ويكون الصمت راحة، ويصبح الابتعاد عن مصادر الإرهاق قرارًا ناضجًا يحفظ ما تبقى من سلامنا الداخلي.
إن إعادة ترتيب الحياة ليست رفاهية، بل ضرورة. أن تختار نفسك لا يعني أن تتخلى عن قيمك، بل يعني أن تتوقف عن التضحية بها، وأن تمنح روحك حقها من السكينة بعد سنوات من الضجيج، وأن تتصالح مع ذاتك بعد أن أنهكتها محاولات إرضاء الجميع.
أجمل ما قد يصل إليه الإنسان هو أن يعيش دون صراع مع نفسه ، وأن يستيقظ كل صباح وهو يشعر أن قلبه أخف، وأن أيامه أكثر هدوءًا، وأنه لم يعد مضطرًا لتبرير مواقفه أو مطاردة من لا يرى قيمته.
فالحياة لا تُقاس بعدد من بقوا حولنا ، بل بقدر السلام الذي يسكن داخلنا.
وما أجمل أن يصل الإنسان إلى مرحلة يقول فيها بثقة:
لن أخسر نفسي مرة أخرى ، ولن أسمح لأحد أن ينتزع مني راحتي ؛ لأن أعظم ما أملكه اليوم هو نفسي
وأعظم ما أبحث عنه هو السكينة.
وفي نهاية المطاف ، قد لا يكون أجمل إنجاز نحققه هو الوصول إلى الآخرين بل الوصول إلى أنفسنا… بعد رحلة طويلة من الضياع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى