في غيابة الجبّ.. الأمتار الأخيرة تحبس الأنفاس ودعوات العالم تضيء ظلمة البئر ..

بقلم: عبد الله الحكمي *

في قرية “الركن” ببلدية الغاسول في ولاية البيّض الجزائرية، تختزل الأمتار القليلة من الأرض حكاية وطن يحبس أنفاسه، وأمّة ترفع أكفّ الضراعة إلى السماء. هناك، حيث سقط الطفل أيوب هادف (10 سنوات) في جوف بئر ارتوازية جافة، تلاشت المسافات الجغرافية وتوحدت المشاعر الإنسانية، فلم يعد الحادث مجرد خبر جاف يُتلى في النشرات، بل ملحمة وجدانية تهزّ القلوب وتستدرّ المدامع.

الفاجعة المباغتة: لحظة السقوط في جوف الأرض
لقد بدأت الفاجعة في إطارها الطبيعي البسيط، حين كان الصغير أيوب يقوم بدوره المعتاد في مساعدة عائلته؛ متوجهاً لجلب الماء لشقيقه في مزرعة قريبة من القرية. لكن الأقدار قادته لخطوة غير متوقعة فوق لوح خشبي متهالك كان يغطي الفوهة، فانكسر فجأة تحت ثقله الغضّ، ليتوارى الصغير في عتمة الأرض وسكونها. ورغم أن البئر تمتد لعمق ثمانين متراً، إلا أن الطفل عالق في منتصف البئر، ويقال إنه في عمق أقل من 20 متراً، ومع مرور الساعات الثقيلة إلا أنه في كل لحظة تولد بارقة أمل يتشبث بها الجميع.

سباق مع الزمن: الأمتار الأخيرة وبوارق الأمل
كانوا يقولون إن الحفر تجاوز قليلاً بشكل متوازٍ مع الطفل المحبوس وبدء الحفر الأفقي اليدوي، وجاءت لحظات الآمال والتطلعات، ثم يأتي حبس الأنفاس إلى ذروته في سباق الأمتار الأخيرة. وقبل قليل يقولون إنهم أتوا بمعدات حديثة (ربما الوقت متأخر) لكن لا يزال أملنا بالله كبيراً أن يصلوا إليه ويخرج أيوب سالماً معافى.

صرخة في الظلام: لوعة الانتظار وحسرة الآباء
يومان كاملان مضيا على الصغير في غيابات ذلك الجبّ؛ يومان اختبرا صبر القلوب وثبات النفوس. ولعلّ غصّة الألم الكبرى التي مزقت نياط القلوب، كانت بالأمس حين تناهى من غياهب الظلمة صوت الصغير وهو ينادي ببكاء مرير: “بابا.. أخرجني من هنا”، صرخة طفولية هزت أركان المكان وأبكت الحاضرين قبل أن يلوذ جوف الأرض بالصمت، وينقطع صوته مستسلماً لثقل الحصار وطول الانتظار.
بين صخب هذا الموقع المشتعل بضجيج الآليات وتوسلات الحاضرين، وتصاعد الترقب، تعيش أسرة أيوب ساعات مريرة لا يعلم ثقلها إلا الله؛ أبٌ يقف عند الفوهة في غاية الضعف والانكسار، يرنو بمقلتيه يترقب ويراقب وميض النجاة مستحضراً صدى صوت ابنه، وأمٌّ تفطر قلبها لوعة الانتظار، وأقارب يتقاسمون معهما كل ثانية كأنها دهر.

نبض واحد: تضامن عربي يتجاوز الحدود
وأمام هذا المشهد المؤثر، لا نملك هنا في المملكة العربية السعودية وفي كل مكان في أنحاء الأرض إلا أن نرسل دعواتنا من قلوبنا وأصدق مشاعرنا للأشقاء في الجزائر. إننا معهم، كالجسد الواحد بصدق رجاء ومشاعر لا تبددها المسافات. إن قلوبنا ودعواتنا الصادقة المخلصة تتدفق في هذه اللحظات الحرجة رافعين أكف الضراعة لله أن يحفظ أيوب، وأن يعين فرق الإنقاذ والمتطوعين الذين يواصلون الليل بالنهار، ويسابقون الزمن بإصرار لخرق ذلك الصمت وإعادة النبض والصوت لأيوب. نقف مع الأب المكلوم والأم الصابرة وكل الأقارب وقفة تضامن حارة، متضرعين إلى المولى عز وجل أن يكلأ أيوب بعينه التي لا تنام، وأن يحفظه كما حفظ يونس في بطن الحوت، وأن يخرجه من ضيق الجب إلى سعة الحياة، ليعود إلى أحضان عائلته سالماً معافى.
إن قصة أيوب، وإن بدأت بحدث عابر في مزرعة بسيطة، قد تحولت إلى امتداد لتلك المشاعر الوجدانية المتبادلة التي عشنا تفاصيلها بالأمس القريب مع الطفل المغربي ريان، ستبقى هذه المحنة الحالية شاهداً حياً على أن نبضات القلوب في المملكة لا تنفصل عن أنينها بين الأشقاء، وأن العاطفة الصادقة تتجاوز كل الحدود، فقلوبنا معهم، وخاتمة قولنا هي التضرع المخلص لرب العزة والجلال بأن يمنّ على أيوب بفرج عاجل، لتُطوى هذه الصفحة القاسية وتبدأ حكاية فجر جديد بفضل الله ورحمته وقدرته، يعيده الله سالماً إلى أحضان عائلته.

* محرر صحفي وكاتب ومستشار إعلامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى