الصحة النفسية.. جرحٌ لا نراه لكنه يُدمينا

بقلم: الدكتورة/ أشواق النعيم
«دكتورة، أبدو بخير طوال اليوم أمام الناس، ولكنني في داخلي لست بخير!»
جلست أمامي سيدة في الأربعين من عمرها؛ أمٌّ لثلاثة أطفال، وزوجة، وموظفة. يراها الجميع «المرأة الخارقة»، لكنها قالتها وهي تغرق في دموعها: «أول ما أغلق باب غرفتي ليلًا، أشعر بفراغٍ تامٍّ من الداخل. أضحك معهم، وأطبخ، وأعمل.. ثم أذهب إلى الحمام لأبكي لساعاتٍ دون أن أعرف السبب!».
تُسمّى هذه الحالة «إرهاق الأدوار»؛ سيدة تعطي الجميع ولا تجد من يعطيها. قصتها ليست استثناءً، بل هي صوت آلاف النساء والرجال الذين ينهارون في صمت.
وباءٌ صامت
وفقًا لإحصاءات منظمة الصحة العالمية، تعاني امرأةٌ من بين كل خمس نساء، ورجلٌ من بين كل ثمانية رجال، من اضطرابٍ نفسي. وفي مجتمعاتنا، تضاعفت نسب القلق والاكتئاب تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، والمسؤوليات المضاعفة، وثقافة «يجب أن تكون قويًّا».
غالبًا ما يُقابل هذا الألم بنصائح من قبيل: «صلِّ واقترب من الله تعالى». والدين بلا شك ملاذٌ وراحةٌ، لكن الذهاب إلى الأخصائي النفسي يُعد سندًا آخر، ولا يتعارض مع الإيمان؛ فكلاهما يُكمّل الآخر.
متى ندق ناقوس الخطر؟
الصحة النفسية ليست رفاهية؛ هي أن تنام وأنت مرتاحٌ، وأن تضحك من قلبك، وأن تملك الطاقة لكي تُحبَّ وتُعطي. انتبه إلى هذه الإشارات التي تستوجب التدخل:
* إرهاقٌ دائمٌ حتى بعد استقطاع قسطٍ كافٍ من النوم.
* فقدان الشغف تجاه البيت والأبناء والعمل.
* عصبيةٌ زائدةٌ أو بكاءٌ مستمرٌّ بلا سببٍ واضح.
* عزلةٌ ورغبةٌ مستمرةٌ في الهروب من الجميع.
* جلدُ الذات وشعورٌ دائمٌ بالتقصير.
العلاج يبدأ منّا
* في البيت: اسألوا الأم: «ما الذي تحتاجينه؟» بدلًا من «هل الطعام جاهز؟». شاركوها المسؤولية، فكلمة «أنا أقدّر تعبك» تملك مفعول الشفاء.
* في العمل: المرأة العاملة ليست آلة؛ هي بحاجةٍ إلى مرونةٍ ودعمٍ نفسيٍّ داخل بيئة العمل.
* في الإعلام: لنتمهّل عن تمجيد وهم «المرأة الحديدية»، ولنُرسّخ بدلًا من ذلك ثقافة طلب المساعدة.
* على مستوى الدولة: نحن بحاجةٍ إلى جهودٍ متكاملةٍ تتضمن مراكز للإرشاد الأسري، وإجازاتٍ نفسيةٍ، وبرامج توعيةٍ في المدارس؛ فالاستثمار في صحة المرأة النفسية هو استثمارٌ في صحة المجتمع بأكمله.
وللقصة بقية..
بعد ثلاثة أشهر، عادت إليَّ السيدة نفسها وقالت بابتسامة: «أول مرةٍ منذ سنوات أنام ثماني ساعاتٍ متواصلة.. وجمعت شجاعتي وقلت لزوجي: أنا تعبانة وأحتاج مساعدتك». وكان هذا بداية العلاج الحقيقي.
لا تنتظري حتى تنهاري. من حقكِ أن ترتاحي، ومن حقكِ أن تبكي، ومن حقكِ أن تطلبي المساعدة. المعالج النفسي ليس للضعفاء، بل لمن اختاروا أن يكونوا أقوياء بالطريقة الصحيحة.
في النهاية.. لا يمكن لبيتٍ أن يُقام على عماد امرأةٍ مكسورة، ومجتمعنا لن ينهض طالما نواصل تجاهل جرحٍ لا نراه.. لكنه يُدمينا.
ولنا لقاءاتٌ قريبةٌ بإذن الله تعالى.



