خاطرة عثمان 

 

بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان

علاقاتُك مع الناس لا تدوم بكثرة العتاب، ولا تستمر بكثرة التدقيق، وإنما تزدهر حين تتسع لها مساحة من التغاضي والتغافل، ويقودها الحب، ويجمعها حسن الظن، ويُصلحها التراضي.

تغاضَ عن الصغائر، وتغافل عن الهفوات؛ فليس كل ما يُقال يستحق الرد، ولا كل ما يُسمع يستحق التفسير، ولا كل موقف يستحق العتاب، ولا كل خطأ عابر يستحق أن يتحول إلى خصومة.

فالتغاضي ليس ضعفًا، والتغافل ليس غفلة، وإنما هما من علامات النضج والوعي في التعامل مع الناس؛ إذ يعرف الإنسان الحكيم متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يعاتب، ومتى يتجاوز.

وتزداد العلاقات انسجامًا بالحب والاحترام والمرونة، وبحسن الظن، والتماس الأعذار، وتقدير اختلاف الطباع. فالعلاقات الجميلة لا تحتاج إلى أشخاص كاملين، بل تحتاج إلى قلوب تعرف كيف تحفظ الود رغم اختلاف المواقف.

أما الإفراط في التدقيق، وكثرة التحقيق، وتتبع الزلات، وتسجيل المواقف، فيُرهق المشاعر، ويُضعف الثقة، ويحوّل العلاقة من مساحة للمودة والطمأنينة إلى مساحة للمراقبة والحذر. والحسد إذا تسلل إلى العلاقة أفسد صفاءها، وأطفأ جمال المودة، وجعل نجاح الآخرين مصدرًا للضيق بدل أن يكون سببًا للفرح والدعاء.

وللعلاقات ميزانٌ لا يختل:

تغاضَ عن الهفوة العابرة، وتغافل عن الزلة غير المقصودة، وناقش الأمر حين يتكرر، وضع حدًّا واضحًا حين يتحول الخطأ إلى أذى أو إساءة مستمرة.

فالتغاضي لا يعني أن تسمح لأحد بأن يهدم كرامتك، والتغافل لا يعني أن تتنازل عن حقوقك؛ بل يعني أن تمتلك الحكمة التي تجعلك تميّز بين ما يستحق أن يُصلح، وما يستحق أن يُتجاوز، وما يستحق أن تضع له حدًّا.

ومن أجمل قواعد العلاقات الأخوية السعيدة :

ليس كل ما تعرفه يحتاج إلى سؤال، وليس كل ما تراه يحتاج إلى تعليق، وليس كل ما تسمعه يحتاج إلى تصحيح، وليس كل ما يؤلمك يستحق أن تهدم من أجله علاقةً جميلة.

واعلم أن كثرة التدقيق تُضيّق مساحات الود، وكثرة التحقيق تُضعف الثقة، والحسد يُفسد القلوب؛ بينما التغاضي يمنح العلاقة مساحة للتنفس، والتغافل يحفظ الود، والتسامح يجدد المودة، وحسن الظن يفتح أبواب الطمأنينة.

فإذا أردت علاقةً تدوم، فلا تبحث عن الكمال في الناس؛ ابحث عن الصدق، واحفظ الجميل، وتجاوز الصغير، وناقش الكبير، ولا تجعل هفوةً عابرة تمحو سنواتٍ من المودة.

التغاضي عن الصغائر يحفظ الود، والتغافل عن الهفوات يحمي القلوب، والحب والتراضي يصنعان الانسجام؛ أما التدقيق والحسد والتحقيق في التفاصيل، فقد يبدأ أثرهما صغيرًا، ثم ينتهيان إلى إضعاف أجمل العلاقات.

الخلاصة:

تغاضَ حيث يكون التغاضي حكمة، وتغافل حيث يكون التغافل مروءة، وتحدث حيث يكون الحديث إصلاحًا، وضع الحدود حيث يكون الصمت ظلمًا لنفسك.

فالعلاقات لا تستمر لأن أصحابها لا يخطئون، بل تستمر لأن بينهم من الحكمة ما يكفي لتجاوز الخطأ، ومن المحبة ما يكفي لحفظ الود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى