بين ضفاف الأدب والثقافة… حضور الإعلام واجب

بقلم: د. نوف الرويسان
يقف الإعلام اليوم عند مفترق طرق حاسم في تاريخ الأمة وثقافتها؛ فلم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار وتناقل الأحداث، بل أصبح المشكّل الأول للوعي الجماعي، والمرآة التي تنعكس عليها الملامح الفكرية والحضارية للمجتمعات. ومن هذا المنطلق، لم يعد حضور الإعلام في ميادين الأدب والثقافة خياراً رفاهياً أو جملاً تجميلية تتزين بها الشاشات والصفحات، بل أضحى واجباً وطنياً وإنسانياً تمليه استحقاقات المرحلة.
إن الأدب والثقافة هما الهوية الحقيقية التي تحفظ للأمم أصلها وتمنحها امتدادها الحضاري. فالقصيدة، والرواية، والنص الفلسفي، واللوحة التشكيلية، والمسرحية… كلها روافد تعبر عن وجدان المجتمع وتاريخه وأحلامه. غير أن هذه الإبداعات، مهما بلغت من العمق والجمال، تظل حبيسة أدراج أصحابها أو النخب المحيطة بهم إن لم يمتد إليها جسر الإعلام الحاد والفاعل، ليخرجها من دوائر النخبوية الضيقة إلى فضاءات المجتمع الرحبة.
وهنا تتجلى مسؤولية الإعلام الثقافي؛ فهو ليس مجرد تغطية لمعرض كتاب أو حفل تدوين، بل هو صناعة واعية للمحتوى، وقراءة نقدية تبسط المعرفة دون أن تسطّحها، وتقرّب الفكر دون أن تفقد عمقه. إن الإعلام الناجح هو الذي يستطيع أن يغرس الشغف بالقراءة والبحث في نفوس الأجيال الجديدة، وأن يعيد صياغة الموروث الأدبي والفكري بلغة تفهمها أدوات العصر الحديث.
لقد فرض التحول الرقمي والتطور المتسارع في منصات التواصل الاجتماعي واقعاً جديداً يوجب على المؤسسات الإعلامية والمتخصصين إيجاد معادلة متوازنة تجمع بين سرعة الطرح ورصانة المحتوى. ولن يتحقق ذلك إلا بوجود إعلاميين يمتلكون حسّاً أدبياً ووعياً ثقافياً، قادرين على التمييز بين الغث والسمين، والانتصار للقيم الإنسانية والجمالية.
إن الحضور الإعلامي في المشهد الثقافي واجب يسهم في حماية الهوية الوطنية، وتعزيز الحوار الحضاري مع الآخر، وبناء مجتمع المعرفة الذي تتطلع إليه رؤانا الوطنية. فلنكن جميعاً على قدر هذه المسؤولية، لنبني إعلاماً يثري العقول، ويصون الفكر، ويضيء ضفاف الأدب بأبهى الصور.



