توفيق معافا.. عندما تجتمع خبرة الملعب مع خبرة الإدارة

د. رشيد بن عبدالعزيز الحمد
في كل مرحلة من مراحل تطور الرياضة السعودية، نحتاج إلى أن نتوقف قليلًا أمام سؤال مهم: من هو القادر على قيادة الاتحاد الرياضي بعقلية الإدارة الحديثة، وفي الوقت نفسه يفهم تفاصيل اللعبة من داخل الملعب؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن الإجابة عنه ليست كذلك.
فالرياضة اليوم لم تعد مجرد منافسات وبطولات ونتائج تُسجل في نهاية الموسم؛ أصبحت صناعة متكاملة تقوم على التخطيط والاستثمار والحوكمة وتطوير المواهب وبناء المنتخبات وتأهيل الكوادر وصناعة الفرص.
ومن هنا يأتي اسم الكابتن توفيق معافا كأحد الأسماء التي تستحق أن تكون حاضرة في النقاش حول مستقبل التنس السعودي.
توفيق ليس اسمًا طارئًا على اللعبة؛ فقد عاش التنس لاعبًا ومدربًا وإداريًا. مثّل المنتخب السعودي في مختلف الفئات العمرية، وشارك في كأس ديفيز، وعمل مدربًا للمنتخب، وكان مدربًا معتمدًا من الاتحاد الدولي للتنس، كما شارك في عضوية لجنة المنتخبات الوطنية لسنوات، وتولى رئاسة الاتحاد السعودي للتنس.
وهذه الخبرة الميدانية وحدها تمنحه معرفة لا يمكن الحصول عليها من المكاتب.
لكن اللافت في تجربة توفيق معافا أن مسيرته لم تتوقف عند الرياضة.
فقد امتدت تجربته المهنية لأكثر من عقدين في القطاع المصرفي والتمويلي، وتدرج في شركة أملاك العالمية للتمويل في عدد من المناصب القيادية، من مدير للعمليات إلى مدير أول للعمليات، ثم مدير للعمليات وتقنية المعلومات، ومدير لقطاع الأفراد والعمليات وتقنية المعلومات، وصولًا إلى منصب نائب الرئيس التنفيذي.
وهنا تحديدًا تكمن نقطة القوة.
نحن أمام شخصية تجمع بين خبرة الرياضي الذي يعرف احتياجات اللاعب، وخبرة الإداري الذي يعرف كيف تُدار المؤسسات، وكيف تُبنى الاستراتيجيات، وكيف تُضبط العمليات، وكيف تُقاس النتائج.
وهذه المعادلة مهمة جدًا في المرحلة المقبلة.
فالقيادة الرياضية اليوم تحتاج إلى أكثر من معرفة قوانين اللعبة أو متابعة المنافسات. تحتاج إلى عقلية تنفيذية تستطيع أن تنقل الاتحاد من إدارة النشاط إلى إدارة المنظومة.
إدارة الأكاديميات.
إدارة المنتخبات.
تطوير المدربين والحكام.
اكتشاف المواهب.
بناء الشراكات.
تنمية الموارد والاستثمار.
تعزيز الحضور الدولي.
وضع مؤشرات أداء واضحة.
ثم محاسبة الجميع على النتائج.
والتنس السعودي يستحق مثل هذه الرؤية.
لدينا مواهب تستحق أن تجد طريقها إلى المنافسة، وأندية وأكاديميات يمكن تطوير دورها، ومنتخبات تحتاج إلى برامج طويلة المدى، ومرحلة رياضية سعودية جديدة تفتح أبوابًا واسعة أمام الألعاب المختلفة، وليس كرة القدم وحدها.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق اختيار أي قيادة جديدة ليس:
من يريد المنصب؟
بل:
من يملك القدرة على صناعة المرحلة المقبلة؟
وهنا أعتقد أن تجربة توفيق معافا تستحق أن توضع على طاولة النقاش بهدوء وموضوعية.
فالرجل يعرف التنس كلاعب، وعرف المنتخب من داخله، وعرف التدريب، وعرف العمل الاتحادي، ثم خاض تجربة إدارية تنفيذية طويلة في قطاع مالي يتطلب الانضباط والحوكمة وإدارة المخاطر واتخاذ القرار.
هذه الخبرات المتنوعة لا تعني بالضرورة أن النجاح مضمون، فالنجاح يحتاج إلى برنامج واضح، وفريق عمل متخصص، ودعم مؤسسي، ومؤشرات أداء، وقدرة على اتخاذ القرار.
لكنها بالتأكيد تمنح صاحبها أرضية قوية ينطلق منها.
ولست هنا بصدد القول إن توفيق معافا هو الخيار الوحيد، فاختيار القيادات الرياضية شأن مؤسسي، والقرار في النهاية للجهات والجمعية العمومية المعنية.
لكن من حق الوسط الرياضي أن يناقش السير والخبرات، ومن حق اللعبة أن تبحث عن القيادة التي تجمع بين التخصص والخبرة والقدرة على الإدارة.
لقد تغيرت الرياضة السعودية كثيرًا.
وما كان مناسبًا بالأمس قد لا يكون كافيًا للغد.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قيادات تعرف اللعبة، لكنها في الوقت نفسه تعرف كيف تدير مؤسسة رياضية حديثة، وكيف تحول الطموحات إلى خطط، والخطط إلى برامج، والبرامج إلى نتائج.
ولعل الأهم في تجربة توفيق معافا ليس عدد المناصب التي تقلدها، ولا عدد السنوات التي قضاها في الملاعب أو الإدارة، وإنما نوعية الخبرة التي جمعها خلال هذه الرحلة.
فهو يعرف اللاعب لأنه كان لاعبًا، ويفهم المدرب لأنه مارس التدريب، ويعرف المنتخب لأنه عاش تجربته، ويدرك طبيعة العمل الاتحادي لأنه سبق أن تولى رئاسة الاتحاد، ويعرف معنى الإدارة الاحترافية لأنه أمضى سنوات طويلة في مواقع تنفيذية عليا.
وهذه ليست ميزة بسيطة.
في زمن أصبحت فيه الرياضة صناعة واقتصادًا واستثمارًا وحوكمة، لم يعد كافيًا أن يكون قائد الاتحاد محبًا للعبة؛ بل يجب أن يكون قادرًا على إدارة منظومتها، وقراءة مستقبلها، وصناعة مواردها، وبناء كوادرها، وتحويل المواهب إلى أبطال.
ولهذا فإن الحديث عن توفيق معافا لا ينبغي أن يكون حديثًا عن شخص يبحث عن منصب، وإنما عن تجربة يمكن أن تُطرح للنقاش أمام مستقبل التنس السعودي.
وأنا هنا لا أقول إن النجاح مضمون لمجرد امتلاك هذه السيرة، فالنجاح يحتاج إلى فريق عمل وبرنامج واضح ومؤشرات أداء ودعم مؤسسي وقدرة على اتخاذ القرار.
لكنني أقول شيئًا واحدًا:
عندما نبحث عن قيادة لاتحاد رياضي، فمن الإنصاف أن نعطي «أهل اللعبة» أصحاب الخبرة الإدارية الحقيقية فرصة عادلة في المنافسة.
فالتنس السعودي لا يحتاج إلى إدارة تحفظ ما تحقق فقط، بل إلى إدارة تسأل بوضوح:
ماذا نريد أن نحقق خلال السنوات الأربع المقبلة؟
هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب أن يسبق اختيار الرئيس القادم.
فالمنصب ينتهي بانتهاء الدورة… أما المشروع الحقيقي فيبقى.



