ويبقى الأثر.. في وداع المربي الأستاذ محمد بن عبدالعزيز العجلان (أبو عبدالعزيز)

الدكتور :رشيد بن عبدالعزيز الحمد

– ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾.

في حياة الناس رجال يمرّون عابرين، ورجال يتركون أثرًا يبقى بعد رحيلهم بسنوات طويلة. ومن هؤلاء الذين وهبهم الله حسن الأثر وطيب الذكر الأستاذ محمد بن عبدالعزيز العجلان (أبو عبدالعزيز) رحمه الله.

برحيله لا تفقد أسرته أبًا كريمًا فحسب، ولا يفقد محبوه صديقًا وفيًا فحسب، بل يفقد المجتمع واحدًا من أولئك المربين الذين يصنعون الفرق في حياة الناس دون ضجيج، ويغرسون القيم في النفوس دون أن ينتظروا ثناءً أو جزاءً.

أمضى رحمه الله عمره في خدمة العلم والدين وتربية الأجيال، مؤمنًا بأن رسالة المعلم لا تنتهي عند حدود المقرر الدراسي، بل تمتد إلى بناء الإنسان وصناعة شخصيته وغرس الثقة في نفسه. ولذلك كان قريبًا من طلابه، حاضرًا في تفاصيل حياتهم، مشجعًا لهم، مؤمنًا بقدراتهم، باحثًا عما يميز كل واحد منهم.

وأستحضر اليوم موقفًا صغيرًا في حجمه، كبيرًا في أثره. كنت أحد طلابه، وكان يدرّسنا في المدرسة، فطلب مني يومًا أن أنشد أمام زملائي، ثم قال لي: «ارفع صوتك ليسمعك الجميع». لم تكن عبارة عابرة، بل كانت درسًا في الثقة بالنفس قبل أن تكون توجيهًا للإنشاد. ومثل هذه المواقف هي التي تصنعها شخصية المربي الحقيقي؛ كلمات قليلة تبقى في ذاكرة الطالب أعوامًا طويلة، وربما ترافقه مدى الحياة.

كان أبو عبدالعزيز من أولئك المعلمين الذين يفرحون بنجاح طلابهم كما يفرحون بنجاح أبنائهم، ويرون في تميزهم امتدادًا لرسالتهم. ولذلك لم يكن أثره محصورًا في فصل دراسي أو جيل واحد، بل امتد في أبنائه الذين أحسن تربيتهم، وفي طلابه الذين تفرقوا في مواقع شتى يخدمون دينهم ثم مليكهم ووطنهم، حاملين شيئًا من القيم التي تعلموها على يديه.

وحين يرحل المربون الكبار، فإن الذي يبقى ليس عدد السنوات التي عاشوها، بل عدد القلوب التي سكنوها، وعدد النفوس التي أثّروا فيها، وعدد الأيادي التي امتدت إليهم بالدعاء بعد رحيلهم. وهذا – فيما نحسب – بعض ما تركه أبو عبدالعزيز خلفه من إرث كريم وسيرة عطرة.

رحم الله الأستاذ محمد بن عبدالعزيز العجلان رحمة واسعة، وغفر له، ورفع درجته في عليين، وجزاه عن أسرته وطلابه ومجتمعه خير الجزاء. وسيبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة كل من عرفه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى