الأخ السند.. حين ينكسر الضلع ويتحول الأمان إلى خوف

بقلم الإعلامي صالح المحجم

جعل الله الأخ سنداً لأخيه وعوناً له في مواجهة الحياة ومصاعبها. فالأخ ليس مجرد اسم في سجل العائلة بل هو ظهر يستند إليه الإنسان حين تثقل عليه الأيام وقوة يستمد منها الثبات عند الشدائد.
ولذلك حين أراد موسى عليه السلام العون من ربه لم يطلب مالاً ولا جاهاً وإنما طلب أخاه هارون فقال تعالى:
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ۝ هَارُونَ أَخِي ۝ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾
فجاءه الوعد الإلهي العظيم:
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾
وكأن الله يقرر حقيقة عظيمة وهي أن الأخ الصالح قوة لأخيه وعون له وسند لا يخذله.
لكن ما أقسى أن يتحول هذا السند إلى مصدر للأذى وأن يصبح الأخ سبباً للخوف بعد أن كان رمزاً للأمان. وما أشد وجع الإنسان حين يكتشف أن من كان يظنه حصناً له أصبح معولاً يهدم استقراره وراحته.
إن خيبة الظن في الأخ تختلف عن كل خيبة أخرى لأن الجرح لا يأتي من غريب ولا من عدو معروف بل يأتي من شخص كنت تظنه أقرب الناس إلى قلبك. شخص يعرف تفاصيل حياتك ونقاط ضعفك ويعرف كيف يؤذيك ثم لا يتردد في ذلك.
ولعل أعظم شاهد على هذا المعنى قصة سيدنا يوسف عليه السلام. فحين اشتعل الحسد في قلوب إخوته لم يروا فيه أخاً صغيراً يستحق الرحمة بل قالوا:
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾
كانت هذه الكلمات القاسية تخرج من أفواه إخوته الذين يفترض أنهم أقرب الناس إليه.
والمؤلم في القصة أن القريب قال: اقتلوا يوسف.
أما الغريب فقال:
﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾
فيا لها من مفارقة موجعة. إخوة اجتمعوا على الأذى ورجل غريب لم تجمعه بيوسف صلة دم أمر بالإحسان إليه.
إنها رسالة خالدة تؤكد أن القرابة وحدها لا تصنع النبل وأن الأخوة الحقيقية ليست مجرد نسب بل مواقف وأخلاق ورحمة.
هناك أناس من الإخوة جعلهم الله نعمة وسنداً وبركة في حياة من حولهم وهؤلاء هم الذين تستقيم بهم الحياة وتطمئن بهم القلوب.
وفي المقابل هناك إخوة ابتلوا بأمراض النفوس من حسد أو طمع أو حب للسيطرة حتى أصبحوا يؤذون أقرب الناس إليهم دون رحمة. وقد يتزين بعضهم بالكلمات الطيبة أو يظهر بمظهر الصلاح لكن الحقيقة تكشفها المواقف لا الشعارات.
فليس كل من لبس ثوب الصلاح صالحاً وليس كل من تحدث عن الأخلاق متخلقاً بها. فالأقنعة قد تخدع الناس زمناً لكنها لا تستطيع أن تخفي حقيقة الأفعال.
ولذلك يبقى ميزان الإنسان في معرفة الناس قائماً على المواقف لا الأقوال. فالأخ الحقيقي هو الذي يفرح لفرحك ويحزن لحزنك ويحفظك في غيابك ويدافع عنك إذا ظلمت ويكون لك عضداً كما كان هارون لموسى عليهما السلام.
أما الأخ الذي يختار طريق الأذى والظلم فإنه لا يؤلمك لأنه عدو بل لأنه أخ كان يفترض أن يكون أقرب الناس إلى قلبك.
ويبقى من أشد أوجاع الحياة أن يأتيك الضرر ممن كنت تنتظر منه الحماية وأن يتحول السند إلى عبء والأمان إلى خوف. لكن عزاء المظلوم أن الله يعلم خفايا القلوب ويرى ما تخفيه الصدور وأن العدل الإلهي لا يغفل عن أحد.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
فمهما اشتد الأذى يبقى الحق محفوظاً عند الله ويبقى الظلم ديناً لا بد أن يُقضى يوماً ولو بعد حين.
أما أنت أيها الأخ الذي آثرت أن تكون سبباً في وجع أخيك بدل أن تكون سنده فاعلم أن الأيام لا تثبت لأحد وأن دوام الحال من المحال. فلا تأمن غدر الأيام ولا تغتر بما أنت فيه اليوم من قوة أو نفوذ أو قدرة على الإيذاء.
قد تظن أن ما فعلته سيمضي وأن القلوب ستنسى وأن المظلوم سيضعف مع الوقت لكن عدل الله لا يضيع ولا يغفل. فكما أذقت غيرك مرارة الألم قد يأتي يوم تتجرع فيه من الكأس ذاته وربما من كأس أشد مرارة وأقسى وجعاً.
وحين تدور بك الأيام وتشتد عليك المحن وتبحث عن سند يؤازرك قد تتذكر ذلك الأخ الذي خذلته وآذيته وظلمته. قد تحتاج يوماً إلى يد تمتد إليك فلا تجدها وإلى قلب يحتويك فلا تلقاه وإلى أخ يقف بجانبك فلا يكون هناك أحد.
فالحياة دول والأيام تدور بين الناس وما من ظالم إلا وسيقف يوماً أمام نتائج ظلمه عاجلاً أو آجلاً. وكما قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾
فاحذر من دعوة مكسور ومن دمعة مظلوم ومن قلب كان يراك أخاً وسنداً فأصبح يتألم منك أكثر مما يتألم من أعدائه.
وتذكر دائماً أن سنة الله لا تتبدل وأن الحكمة الخالدة باقية إلى قيام الساعة:
كما تدين تدان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى