حين سقطت الأقنعة

فاطمة إبراهيم البلوي

لم أكن أحتاج من أحدٍ معجزة..

ولا كنت أطلب أن تُحمل عني أوجاعي..

ولا أن يُسهر أحدٌ الليل عند رأسي..

كنت أحتاج فقط إلى حضورٍ صغير..

إلى وجهٍ مألوف يعبر باب غرفتي..

إلى سؤالٍ صادق يقول..

كيف أنتِ؟

لكن حتى هذا القليل كان كثيرًا على بعض القلوب…

عشرة أيامٍ كاملة وأنا في المستشفى..

عشرة أيامٍ كان المرض فيها يختبر جسدي..

وكان الغياب يختبر قلبي…

وفي كل يومٍ كنت أتعلم شيئًا جديدًا عن الناس..

لا من كلامهم هذه المرة..

بل من أفعالهم….

عرفت أن هناك من يستطيع أن يتحدث عن المحبة طويلًا..

ثم يعجز عن قطع المسافة إلى سرير مريض…

وعرفت أن بعض العلاقات لا تنتهي حين يرحل أصحابها..

بل تنتهي حين تحتاجهم…

فلا تجدهم..

ما أوجعني أنني كنت مريضة..

فالمرض قدرٌ يُحتمل..

ويُرجى له الشفاء..

لكن ما أوجعني حقًا

أنني اكتشفت أنني كنت أمنح بعض الناس من قلبي

مكانًا لم يحجزوا لي مثله في قلوبهم….

كنت أظن أن الغياب يُقلق من يحب..

وأن المرض يستنفر من يحمل لك ذرةً من الوفاء..

وأن عشرة الأيام كافية لأن يقول أحدهم:

لن أتركها وحدها…

لكن لا أحد جاء…

وحين لا يأتي أحد..

لا تعود الأعذار ذات قيمة…

فليس كل غيابٍ ظرفًا..

ولا كل تأخرٍ انشغالًا..

ولا كل تجاهلٍ سهوًا..

أحيانًا يكون الإنسان حاضرًا في هاتفك..

وفي ذاكرتك..

وفي كل تفاصيل حياتك..

ثم لا يكون حاضرًا في لحظةٍ واحدة كنت تحتاج فيها إلى حضوره…

وهنا تعرف الحقيقة كاملة….

تعرف أن بعض القرب كان وهمًا..

وأن بعض المحبة كانت كلامًا..

وأن بعض الوجوه لم تكن أهلًا..

وأن بعض الأسماء التي كنت تضعها في مقدمة قلبك

لم تكن تضعك أصلًا في آخر اهتماماتها….

ولذلك، لا أريد تفسيرًا…

لا أريد قائمة أعذارٍ متأخرة..

ولا رسائل طويلة تُكتب بعد أن انتهت الأيام..

ولا سؤالًا يأتي بعدما تعلّم القلب كيف يستغني..

فالذي كان يستطيع أن يأتي ولم يأت..

والذي كان يستطيع أن يسأل ولم يسأل..

والذي عرف ولم يتحرك..

لا يحتاج مني إلى عتابٍ طويل…

لقد أجاب بالفعل….

وأنا أفهم الأفعال جيدًا…

ومن المؤلم أنني لم أكن أطلب منهم أن يحملوا مرض..

كنت أطلب فقط أن يشعروا بوجودي..

لكن حتى هذا لم يحدث..

لذلك، لا تنتظروا مني أن أعود كما كنت..

أنا لا أحمل في قلبي ضغينة..

ولا أبحث عن انتقا..

ولا أريد أن أثقل أرواحكم باللوم..

لقد تجاوزت مرحلة الغضب..

أنا الآن في مرحلةٍ أكثر هدوءًا…

وأكثر حسمًا.

مرحلة أن أعرف قدر كل إنسان،

وأضعه في المكان الذي اختاره لنفسه بأفعاله…

ومن اختار الغياب حين كنت في أشد حاجتي إلى الحضور،

فقد اختار مكانه بنفسه…

لن أركض خلف أحد..

ولن أعاتب أحدًا كي يحبني..

ولن أشرح لأحدٍ لماذا آذاني غيابه..

فالاهتمام الذي يحتاج إلى مطالبة

ليس اهتمامًا..

والحضور الذي يأتي بعد الاستدعاء

ليس حضورًا..

والمحبة التي لا تظهر حين تضيق بك الدنيا

ليست شيئًا يستحق أن تُرهق نفسك بالحفاظ عليه..

لقد كنت أظن أن بعض الناس أهلٌ لا يتغيرون.. كنت..

فعلّمتني الأيام أن الأهل الحقيقيين لا تحتاج إلى اختبارهم أصلً…

تجدهم حين تنكس..

حين تمر..

حين تخاف..

حين يعجز صوتك عن طلب النجدة..

أما من لا يظهر إلا في أيام القوة،

فذلك ليس سندًا…

ذلك مجرد عابرٍ أحببتَ وجوده أكثر مما أحب وجودك…

ولذلك سأغادر هذه المرحلة بقلبٍ مختلف..

لن أكره أحدًا،

فالكره اهتمامٌ آخر لا أريد أن أمنحه..

سأفعل ما هو أقسى من الكراهية:

سأضعكم في المكان الذي أثبتم أنكم تستحقونه، ثم لن ألتفت…

سأسترد منكم تلك المكانة التي منحتكم إياها بلا حساب..

وسأعيد قلبي إلى نفسه..

فقد أتعبته طويلًا محاولات تبريركم..

لقد انتهى زمن حسن الظن الذي يبرر كل شيء…

وانتهى زمن السؤال:

«لماذا لم يفعلوا؟»

فأنا لم أعد أبحث عن الأسباب.

لقد رأيت النتيجة.

والنتيجة كانت عشرة أيامٍ كاملة

علّمتني ما عجزت سنواتٌ طويلة عن تعليمي إياه:

ليس كل من نحبهم أهلًا لن..

وليس كل من سمّيناهم أحبةً يعرفون معنى المحبة..

وليس كل من ظنناهم سندًا يصلحون حتى أن يكونوا ظلًا..

وإن كان في هذه التجربة فضلٌ واحد،

فهو أنها كشفت لي الحقيقة دون رتوش..

وأنا حين أعرف الحقيقة…

لا أعود إلى الوهم…

لذلك لا تعتذروا.

ولا تشرحوا.

ولا تحاولوا أن تستعيدوا صورةً سقطت من عيني..

بعض الأشياء إذا انكسرت

لا يصلحها الاعتذار،

وبعض المسافات إذا بدأت

لا تُقطع عائدة…

أما أنا،

فسأخرج من هذه الأيام وأنا أعرف شيئًا واحدًا:

من لم يجد طريقه إليّ وأنا مريضة،

لن يجد مكانه في قلبي وأنا بخير..

وهذه المرة…

لن يكون الرحيل غضبًا.

سيكون قرارًا..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى