«من التأثير إلى الإسفاف.. مشاهير يضحّون بالقيم من أجل الترند»

بقلم / سعود حماد العنزي

لم تعد المشكلة في أن بعض مشاهير منصات التواصل يقدمون محتوى ضعيفاً أو سطحياً، فالمحتوى الرديء كان موجوداً وسيبقى، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يتحول صاحب التأثير من شخص يتابعه الناس إلى شخص يصنع من نفسه أضحوكة من أجل أن يتابعه الناس.

مؤسف أن نرى بعض المؤثرين وصناع المحتوى الذين بدأوا بمحتوى جميل، ورسالة واضحة، وحضور يحترم عقل المتلقي، يغيرون مسارهم شيئاً فشيئاً؛ حتى أصبح بعضهم يبحث عن المشاهدة بأي ثمن، ولو كان الثمن كرامته، أو مبادئه، أو أسرته، أو قيم المجتمع الذي ينتمي إليه.

أصبحت المنافسة لدى البعض ليست: من يقدم الأفضل؟ بل: من يصنع الضجة الأكبر؟

فتجد المبالغة، والتصنع، والمقالب المستفزة، والخلافات المفتعلة، واستعراض الخصوصيات، والتقليل من الآخرين، وتحويل الحياة الزوجية والأسرية إلى مادة للفرجة، بل إن البعض أصبح مستعداً لأن يسخر الناس منه ما دام اسمه متداولاً ومقطعُه يحقق ملايين المشاهدات.

وهنا يجب أن نسأل: هل الشهرة نجاح مهما كان ثمنها؟

المؤثر الحقيقي ليس مجرد رقم في عدد المتابعين، فالتأثير مسؤولية. وكلما اتسعت دائرة المتابعين، اتسعت معها دائرة المسؤولية؛ لأن ما يقوله المشهور ويفعله قد لا يبقى مجرد مقطع ينتهي بعد ثوانٍ، بل قد يتحول إلى سلوك يقلده آخرون، خصوصاً الأطفال والناشئة.

الأطفال.. الحلقة الأخطر

الأطفال اليوم يحملون الهواتف، ويتابعون المشاهير، ويحفظون عباراتهم، ويقلدون حركاتهم، وقد يرون في بعضهم نموذجاً للنجاح قبل أن يمتلكوا القدرة الكافية على التمييز بين الشهرة والقيمة.

وعندما يرى الطفل أن السخرية تجلب المشاهدات، وأن الإساءة تصنع الشهرة، وأن كشف الخصوصيات يحقق المال، وأن التصرفات الغريبة تجعل الإنسان معروفاً، فما الرسالة التي تصل إليه؟

الخطر هنا أن تتغير لديه معايير النجاح نفسها.

قد يصبح صاحب العلم أقل جاذبية من صاحب المقطع الساخر، وصاحب الإنجاز أقل حضوراً من صانع الجدل، ويترسخ في ذهن جيل كامل أن الطريق الأسرع للنجاح ليس أن تتعلم أو تعمل أو تبدع، بل أن تفعل أي شيء يجعل الناس يتحدثون عنك.

وهذا أخطر ما يمكن أن تصنعه الشهرة الفارغة.

عندما تصبح القيم مادة للمشاهدات

مجتمعنا يقوم على منظومة راسخة من القيم؛ احترام الوالدين، وصيانة الأسرة، وحفظ الخصوصية، والحياء، واحترام الكبير، والرحمة بالصغير، وعدم السخرية من الآخرين.

لكن تكرار بعض المحتويات التي تتعامل مع هذه القيم باستخفاف قد يجعل السلوك المستهجن مألوفاً مع مرور الوقت.

والمشكلة ليست في مقطع واحد، وإنما في التراكم.

ما كان مستغرباً بالأمس قد يصبح عادياً اليوم، وما نرفضه اليوم قد يصبح غداً مادة للضحك والترفيه إذا تكرر أمام الأجيال دون وعي أو نقد.

ولا يعني ذلك محاربة الترفيه أو الفكاهة، فالمجتمع يحتاج إليهما، وصناعة المحتوى مجال واسع للإبداع والرزق والنجاح، لكن هناك فارقاً كبيراً بين أن تضحك الناس بموهبتك، وأن تجعل نفسك وقيمك وأهلك أضحوكة حتى يضحك الناس عليك.

الأرقام لا تعني دائماً النجاح

مليون مشاهدة لا تعني أن المحتوى جيد.

والترند لا يعني أن صاحبه مؤثر إيجابي.

وكثرة المتابعين لا تمنح صاحبها حصانة أخلاقية أو اجتماعية.

بل ربما يكون المقطع الأكثر انتشاراً هو الأكثر ضرراً، لأن الخطأ عندما يصدر من شخص يتابعه الملايين لا يبقى خطأً فردياً، وإنما يمتلك قدرة أكبر على الانتشار والتقليد والتطبيع معه.

وهنا تأتي أيضاً مسؤولية الجمهور؛ لأننا في كثير من الأحيان نصنع بأيدينا ما نشتكي منه. كل مشاهدة ومشاركة وتعليق وتفاعل قد تمنح المحتوى المبتذل حياة أطول وانتشاراً أكبر.

فإذا كنا نرفض محتوى معيناً ثم نتسابق على نشره والتعليق عليه، فإننا عملياً نكافئ صاحبه على ما فعل.

إلى صانع المحتوى

قبل أن تنشر، اسأل نفسك:

لو شاهد ابني أو ابنتي هذا المقطع وقلداني، هل سأكون سعيداً؟

لو بقي هذا المحتوى موجوداً بعد عشر سنوات، هل سأفتخر به؟

هل أريد أن يتذكرني الناس بما قدمت، أم بما فعلت من أجل المشاهدات؟

المال قد يأتي ويذهب، والمنصات تتغير، والترند يموت سريعاً، والجمهور قد ينتقل إلى غيرك في لحظة، لكن الأثر يبقى.

ومن المؤسف أن يخسر الإنسان احترامه لنفسه وأسرته ومجتمعه في سباق رقمي لا يعرف أين ينتهي.

نحن لا نحتاج إلى مؤثرين أكثر بقدر حاجتنا إلى تأثير أفضل.

نحتاج إلى صناع محتوى يدركون أن خلف الأرقام أطفالاً يتعلمون، ومراهقين يقلدون، وأسراً تتأثر، وقيماً يمكن أن تُبنى أو تُهدم.

فالشهرة ليست أن يعرفك الجميع، والنجاح ليس أن يتحدث عنك الجميع.

النجاح الحقيقي أن يكون لك حضور دون أن تفقد مبادئك، وأن تصنع محتوى يرفع قيمتك بدلاً من أن يحولك إلى أضحوكة، وأن تغادر المنصة يوماً وقد تركت أثراً يستحق أن يبقى.

فالمشاهدات تنتهي… أما ما نزرعه في عقول الأجيال فقد يبقى طويلاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى