الوعي بالمشاعر: أول خطوة نحو علاقة صحية

بقلم: د.يسرى معزي
دكتورة في علم النفس التربوي
مدربة في التنمية الذاتية، وخبيرة علاقات
هل سبق أن شعرت بالغضب من شخص تحبه، لكنك لم تعرف لماذا كنت غاضبا؟ هل قلت يوما: «أنا لا أعرف ماذا يحدث لي، لكنني أشعر أنني لست بخير»؟ أو ربما وجدت نفسك تطلب المزيد من الاهتمام من شخص قريب منك، بينما كنت في الحقيقة تبحث عن الشعور بالأمان؟
في كثير من الأحيان، لا تكون المشكلة في أننا نشعر كثيرا، وإنما في أننا لا نفهم ما نشعر به.
وهنا يبدأ مفهوم بالغ الأهمية في علم النفس: الوعي بالمشاعر.
عندما نتألم ولا نعرف تسمية الألم
المشاعر ليست مجرد حالات عابرة نمر بها ثم تختفي، إنها رسائل نفسية تخبرنا بشيء عن احتياجاتنا، مخاوفنا، حدودنا وتجاربنا.
فالغيرة قد تخفي خوفا من الفقدان، والغضب قد يكون خلفه شعور بالخذلان، والتعلق الشديد قد يرتبط بالخوف من الوحدة، وحتى الانسحاب أحيانًا قد لا يكون برودًا، بل محاولة لحماية الذات من الألم.
لذلك، فإن قول الإنسان: «أنا غاضب» ليس نهاية الوعي بالمشاعر، بل بدايته.
السؤال الأهم هو:
ماذا يوجد خلف هذا الغضب؟
هل أشعر بالإهمال؟
هل شعرت بأنني غير مقدَّر؟
هل أخاف أن أفقد هذا الشخص؟
هل أعاد هذا الموقف تجربة قديمة مؤلمة؟
كلما استطعنا الإجابة عن هذه الأسئلة، أصبحنا أكثر قدرة على فهم أنفسنا بدل أن نترك مشاعرنا تقود سلوكنا.
من الشعور إلى رد الفعل:-
في العلاقات، لا نستطيع دائما التحكم في الشعور الذي يظهر داخلنا، لكننا نستطيع أن نتعلم التحكم في طريقة استجابتنا له.
قد أشعر بالغيرة، وهذا شعور يمكن فهمه، لكن تحويل الغيرة إلى تفتيش في هاتف الشريك أو مراقبة تحركاته أو اتهامه باستمرار هو سلوك يحتاج إلى مراجعة.
وقد أشعر بالغضب، لكن ذلك لا يمنحني الحق في الإهانة أو التجريح.
وهنا يظهر الفرق بين الشعور والسلوك:
يمكن أن يكون الشعور مشروعا، بينما تكون طريقة التعبير عنه مؤذية.
الشخص الناضج عاطفيا لا يقول: «بما أنني غاضب، يحق لي أن أؤذيك»، بل يسأل نفسه:
«ماذا أفعل بهذا الغضب بطريقة تحافظ على كرامتي وكرامة الطرف الآخر؟»
هل كل ما نشعر به حقيقة؟
من أكثر الأخطاء شيوعا في العلاقات أن نخلط بين الشعور والتفسير.
قد تقول امرأة: «لم يرد على رسالتي منذ ساعات، أشعر أنه لم يعد يحبني».
شعورها بالقلق حقيقي، لكن تفسيرها للموقف ليس بالضرورة حقيقة.
قد يكون مشغولا، أو متعبا، أو يمر بظرف آخر.
وهذا لا يعني أن علينا تجاهل مشاعرنا، بل يعني أن نتعلم التمييز بين:
ما أشعر به و ما أعتقد أنه سبب هذا الشعور.
هذه المسافة الصغيرة بين الشعور والتفسير قد تمنع الكثير من الخلافات وسوء الفهم.
«أنا أشعر» بدل «أنت دائما»
أحيانًا لا تنهار العلاقات بسبب غياب الحب، وإنما بسبب الطريقة التي نتحدث بها عندما نتألم.
«أنت لا تهتم بي.»
«أنت دائمًا تتجاهلني.»
«أنت لا تحبني أصلا.»
عبارات تجعل الطرف الآخر يشعر بأنه متهم، فيبدأ بالدفاع عن نفسه بدل محاولة فهم مشاعر شريكه.
في المقابل، يمكن أن نقول:
«أشعر بالحزن عندما لا نتحدث لفترة طويلة، وأحتاج إلى مزيد من التواصل بيننا.»
الفرق بسيط في الكلمات، لكنه كبير في الأثر.
الأولى تهاجم الشخص، أما الثانية فتشرح الشعور والاحتياج.
وهنا يتحول الحوار من معركة لإثبات من المخطئ إلى محاولة لفهم ما يحتاجه كل طرف.
الوعي بالمشاعر لا يعني كبتها
هناك اعتقاد شائع بأن الشخص المتزن نفسيًا هو الشخص الذي لا يغضب، ولا يحزن، ولا يغار.
لكن الصحة النفسية لا تعني غياب المشاعر.
نحن لا نحتاج إلى أن نشعر أقل، بل إلى أن نفهم مشاعرنا أكثر.
الحزن ليس ضعفا، والغضب ليس دائما مشكلة، والخوف لا يعني الجبن.
المشكلة تبدأ عندما تصبح المشاعر هي التي تقود قراراتنا بالكامل دون أن نتوقف لفهمها.
لذلك، ليس الهدف أن نقول لأنفسنا: «لا يجب أن أشعر بهذا».
بل أن نسأل:
«لماذا أشعر بهذا؟ وماذا يحتاج مني هذا الشعور؟»
العلاقة الصحية تبدأ من الداخل
من الصعب أن نبني علاقة مستقرة مع شخص آخر إذا كنا لا نعرف كيف نتعامل مع أنفسنا.
الشخص الذي لا يعرف احتياجاته قد ينتظر من شريكه أن يخمنها.
والشخص الذي لا يعرف حدوده قد يسمح بتجاوزها ثم ينفجر فجأة.
والشخص الذي يخاف من الرفض قد يقبل أشياء لا تناسبه فقط حتى لا يخسر العلاقة.
لذلك، فإن الوعي بالمشاعر يرتبط ارتباطا وثيقا بالذكاء العاطفي، لأنه يساعدنا على فهم الذات، وتنظيم الانفعالات، والتعبير عن الاحتياجات، وفهم مشاعر الآخرين.
قبل أن تسأل: «هل يحبني؟» اسأل نفسك سؤالا آخر
في العلاقات، ننشغل كثيرا بمحاولة قراءة الطرف الآخر:
هل يحبني؟
هل يشتاق إلي؟
لماذا تغير؟
لماذا ابتعد؟
لماذا لم يرد؟
لكن ربما هناك سؤال أكثر أهمية:
ماذا يحدث داخلي أنا؟
هل أشعر بالأمان في هذه العلاقة؟
هل أستطيع التعبير عن نفسي؟
هل أشعر بأنني مسموع ومقدر؟
هل أستطيع أن أكون نفسي دون خوف؟
هل أعرف ما أحتاجه فعلا؟
فالعلاقة الصحية ليست فقط أن نجد شخصا يحبنا، وإنما أن نكون قادرين على الحب بوعي.
وفي النهاية، ربما لا تكون الخطوة الأولى نحو علاقة صحية هي أن نجد «الشخص المناسب»، كما نعتقد دائمًا.
ربما تكون الخطوة الأولى أن نتعلم قراءة أنفسنا قبل أن نحاول قراءة الآخرين.
فحين نفهم مشاعرنا، لا تعود كل غيرة دليلا على الخيانة، ولا كل مسافة دليلا على الرفض، ولا كل خلاف تهديدًا لنهاية العلاقة.
نحن لا نستطيع اختيار كل شعور يظهر داخلنا، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نفهمه، وكيف نعبر عنه، وكيف نختار ما نفعله بعده.
وهنا يبدأ النضج العاطفي…
وهنا تبدأ العلاقة الصحية.



