لا تحاكم إنسانًا على هدوئه… فقد يكون صمته آخر ما تبقّى منه

بقلم الكاتبة / د. وسيلة محمود الحلبي
لا أحد منا يعرف ماذا يحدث خلف الأبواب المغلقة، ولا كم مرة بكى ذلك الذي أضحك الآخرين، ولا كم ليلة قاوم فيها فكرة الاستسلام، ثم استيقظ صباحًا وواصل حياته.
ليس كل هدوءٍ فراغًا، وليس كل صمتٍ رضا، وليس كل ابتسامة دليلًا على أن الحياة بخير. هناك أناس يمشون بيننا بكامل أناقتهم، يبتسمون، ينجزون أعمالهم، ويبدون أقوياء إلى الحد الذي يجعل الآخرين يعتقدون أنهم لا يحتاجون أحدًا… بينما يخوضون في داخلهم معارك لا يسمع أصواتها أحد.
وهنا تبدأ المشكلة.
نرى شخصًا ابتعد فنقول تغيّر، ونرى شخصًا صمت فنقول تكبّر، ونرى شخصًا لم يعد يسأل فنقول: لم يعد يهتم. ونرى شخصًا يرفض الحديث فنقول: غامض، ونرى شخصًا يبتسم رغم ألمه فنفترض أنه بخير.
لكن ماذا لو كانت الحقيقة مختلفة تمامًا؟
ماذا لو كان الذي ابتعد قد استُنزف من كثرة الاقتراب؟ وماذا لو كان الصامت قد قال كل شيء في داخله، ولم يجد من يسمعه؟ وماذا لو كان الذي لم يعد يسأل قد تعب من السؤال دون إجابة؟ وماذا لو كانت الابتسامة التي نراها ليست فرحًا، وإنما محاولة أخيرة للتماسك؟
نحن لا نرى إلا الواجهة، ومع ذلك نُصدر الأحكام وكأننا نملك تفاصيل الحكاية كاملة. وهذه واحدة من أقسى صور الظلم الاجتماعي، كلمة واحدة منا قد تهدم شخصًا يخوض أصلًا معركة كي لا ينهار.
وقد نسأل: لماذا لم يخبرني؟ والجواب أحيانًا لا يتحدث لأنه تعب من شرح نفسه. وتعب من أن يبرر حزنه، وتعب من أن يقول «أنا بخير» وهو ليس بخير. وتعب من أن يشرح للآخرين لماذا تغير، ولماذا ابتعد، ولماذا أصبح أقل كلامًا وأكثر صمتًا. وأحيانًا يصل الإنسان إلى مرحلة أن يُترك قليلًا مع نفسه، لا لأنه يكره الآخرين، بل لأنه يحاول أن ينقذ ما تبقى من قدرته على الاحتمال.
ليس كل من يبدو قويًا … يكون قويًا فعلًا.
هناك من ينهار في غرفته ثم يخرج في الصباح ليؤدي واجباته وكأن شيئًا لم يحدث، وهناك أم تخفي خوفها كي لا يخاف أبناؤها، وهناك أب يبتلع قلقه كي يبقى في أعين أسرته سندًا، وهناك امرأة تخوض حربًا كاملة مع نفسها، ثم تقف أمام الناس بكامل ثباتها، وهناك رجل خسر أشياء كثيرة، لكنه ما زال يقول: «الحمد لله»، وهناك شخص ينتظر كلمة واحدة صادقة، لا محاضرة في الصبر.
لذلك، قبل أن تسأل: لماذا تغيّر؟ اسأل نفسك أولًا: ماذا حدث له حتى تغيّر؟
وقبل أن تحكم على شخص لأنه أصبح أقل حضورًا، تذكر أن بعض الغياب ليس تجاهلًا، وإنما استراحة من ألمٍ لم نعرف عنه شيئًا.
نحن بحاجة اليوم إلى ثقافة جديدة في التعامل مع بعضنا؛ ثقافة لا تقوم على مراقبة التصرفات وتفسيرها بأسوأ الاحتمالات، وإنما على الرحمة، وحسن الظن، وترك مساحة للآخرين كي يعيشوا ظروفهم دون محاكمة.
لهذا… كن لطيفًا لأنك لا تعرف أي معركة يخوضها الإنسان الذي أمامك. لا تسخر من صمته، ولا تستهِن بحزنه، ولا تفسّر ابتعاده على هواك. ولا تستخدم ضعفه ضده إذا أخبرك يومًا بما يؤلمه. ولا تجعل من أسرار الناس مادة للحديث حين يمنحونك ثقتهم.
فكل إنسان يحمل قصة لا نعرف فصولها. وربما الشخص الذي نراه اليوم هادئًا، متماسكًا، قليل الكلام، هو نفسه الذي خاض بالأمس أعنف معاركه ولم يخبر أحدًا. فلا تجعل جهلَك بتفاصيل الحكاية يمنحك حق كتابة نهايتها. خففوا أحكامكم على الناس… فالحياة ثقيلة بما يكفي.
وقد يكون أجمل ما تقدمه لإنسان لا تعرف معركته: ابتسامة صادقة، وكلمة طيبة، وسؤالًا بلا فضول، وقلبًا لا يُصدر حكمًا سريعًا.
فأحيانًا…
لا يحتاج الإنسان إلى من ينقذه؛ يحتاج فقط إلى من لا يدفعه إلى الغرق أكثر.



