7 ساعات انتظار وكلاب بوليسية.. ماذا يحدث لمنتخبات كأس العالم؟

د/ عمرو خالد حافظ – متابعات
لطالما ارتبطت مشاهد وصول المنتخبات الوطنية إلى البلدان المستضيفة لبطولات كرة القدم بأجواء احتفالية خالصة؛ طائرات تهبط وسط استقبال حافل، ولاعبون يلوحون للجماهير من نوافذ الحافلات، وأحلام تبدأ في معانقة سماء البطولة.
لكن في نسخة كأس العالم 2026، المقامة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تغير هذا المشهد الساحر ليحل محله واقع مختلف تمامًا.
لقد تحولت رحلة الوصول إلى البطولة من عرس كروي إلى سلسلة من الإجراءات الأمنية المعقدة، بدءًا من التفتيش الدقيق للحقائب، مرورًا بانتشار الكلاب البوليسية، وصولًا إلى احتجاز النجوم لساعات في غرف الانتظار.
هذه المشاهد، التي تسربت إلى شاشات الجماهير قبل حتى أن تتدحرج الكرة على العشب، تطرح تساؤلًا جوهريًا: هل ابتلعت الهواجس الأمنية هيبة الساحرة المستديرة؟
كانت عودة المنتخب العراقي إلى نهائيات كأس العالم للمرة الأولى منذ عام 1986 بمثابة حلم طال انتظاره لملايين العراقيين والعرب.
لكن هذا الحلم اصطدم بواقع بارد وقاسٍ فور الهبوط في مطار شيكاغو، فقد خضع وفد أسود الرافدين لتدقيق أمني استثنائي، وصل إلى حد احتجاز المهاجم أيمن حسين لساعات طويلة قبل السماح له باللحاق بزملائه، بل ومُنع أحد أفراد الوفد من الدخول تمامًا.
هذا الموقف وضع المنتخب العراقي، الذي يعسكر في ولاية ويست فرجينيا، أمام ضغط نفسي مبكر.
بدلًا من التركيز على الخطط الفنية ومواجهة كبار اللعبة، وجد اللاعبون أنفسهم في اختبار للثبات الانفعالي داخل أروقة المطار، مما يعكس قسوة البدايات في هذه النسخة من البطولة.
لم تكن معاناة العراق استثناءً، بل امتدت لتطول منتخبات أخرى بأساليب مختلفة.
منتخب السنغال، المدجج بنجوم عالميين، وجد نفسه في قلب عاصفة من الجدل بعد انتشار مقطع فيديو يظهر لاعبيه وهم يخضعون لتفتيش دقيق بالماسحات اليدوية وتفتيش الحقائب في مطار بولاية نورث كارولاينا، أثناء رحلتهم ضمن منافسات كأس العالم.
رغم أن الاتحاد السنغالي حاول احتواء الموقف لاحقًا بتوضيح أن الإجراء كان روتينيًا لركوب طائرة خاصة، إلا أن صورة النجوم وهم يصطفون للتفتيش تركت أثرًا سلبيًا وأثارت غضبًا واسعًا بين الجماهير.
أما أوزبكستان، التي تعيش فرحة المشاركة الأولى في تاريخها في كأس العالم، فقد واجهت موقفًا مشابهًا قبل مباراة ودية أمام هولندا في نيويورك.
حيث تفاجأ اللاعبون بتفتيش شامل للحافلة والمعدات، في لحظة يفترض أن يكون فيها التركيز منصبًا على الإحماء والتكتيك، لا على تبرير محتويات الحقائب الرياضية.
قد يظن البعض أن الإجراءات الصارمة تقتصر على منتخبات بعينها، لكن الواقع أثبت أن الكبار أيضًا خضعوا لنفس الميزان في كأس العالم.
منتخب أوروجواي، العريق والفائز باللقب مرتين، انتشرت له مشاهد توثق وقوف لاعبيه في فلوريدا بينما تقوم الكلاب البوليسية بشم حقائبهم الشخصية.
التقطت الكاميرات ملامح الغضب والصدمة على وجه نجم خط الوسط مانويل أوجارتي، في مشهد يوحي بأن اللاعبين يعاملون كأشخاص تحت طائلة الاشتباه وليسوا نجومًا يمثلون بلادهم.
حتى الماكينات الألمانية، لم تسلم من هذا الصخب الأمني البارد؛ فوصول بعثة منتخب ألمانيا إلى مطار في ولاية نورث كارولاينا رافقه تدقيق أمني صارم، ليؤكد أن المنظومة الأمنية في كأس العالم لا تفرق بين بطل سابق أو وافد جديد.
الصرامة الأمنية لم تقف عند حدود اللاعبين، بل طالت من يديرون مباريات كأس العالم، قصة الحكم الصومالي عمر أرتان كانت ربما الأكثر قسوة؛ فقد سافر حاملًا وثائقه وتأشيرته، حالمًا بصنع تاريخ شخصي ووطني، ليفاجأ بمنعه من دخول الولايات المتحدة واحتجازه لساعات في مطار ميامي قبل إعادته من حيث أتى.
رغم إعلان الفيفا عن منحه مستحقاته كاملة كتعويض معنوي ومادي، إلا أن الحادثة تركت رسالة واضحة: جواز السفر والدعوة الرسمية قد لا يكونان كافيين لفتح أبواب البطولة.
من المؤكد والمفهوم أن تنظيم حدث عالمي يستقطب ملايين الزوار يتطلب تدابير أمنية محكمة، وقد أكدت هيئة الجمارك وحماية الحدود الأمريكية حرصها على توفير بيئة آمنة للجميع، محتفظة بحقها السيادي في قرارات الدخول.
لكن الأزمة الحقيقية لا تكمن في وجود الأمن بحد ذاته، بل في الصورة الذهنية التي تصدر للعالم.
فحين يرى المشجع فرقه المفضلة ولاعبيه الذين يعتبرهم أبطالًا وهم يخضعون لاستجوابات وتفتيش بالكلاب البوليسية على أبواب الملاعب والمطارات، فإن الرسالة البصرية تطغى على أي تبرير رسمي.
كأس العالم هو في جوهره احتفال بتوحيد الشعوب وتجاوز الحدود، ومن المحزن أن تبدأ قصص المنتخبات من نقاط التفتيش، بدلًا من أن تنطلق من دائرة منتصف الملعب.



