جيل الترند.. هل نحن نصنع المحتوى أم المحتوى يصنعنا؟

أ. عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُزَيْنِي كَاتِبٌ صَحَفِيٌّ، وَمُذِيعٌ تَلْفَزِيُونِي.
في أواخر ستينيات القرن الماضي، تنبّأ الفنان الأمريكي آندي وارهول بظهور وسيط إعلامي يمنح الشخص العادي فرصة تحقيق حلم الشهرة السريعة، فقال مقولته الشهيرة: “في المستقبل، سيتمكن الجميع من أن يصبحوا مشهورين لمدة خمس عشرة دقيقة”. ورغم أن وسائل الإعلام في ذلك الوقت لم تكن تمتلك الانتشار الواسع الذي نعرفه اليوم، فإن نبوءته تحققت بعد أكثر من خمسين عامًا وتجاوزت توقعاته.
فقد شهد عصرنا ثورة إعلامية غير مسبوقة، ظهرت معها منصات التواصل المتعددة التي فتحت الآفاق أمام كل فرد للتعبير عن رأيه بحرية. لم تعد الشهرة حكرًا على النخبة، وأصبح بإمكان أي شخص أن يوصل صوته إلى العالم خلال لحظات عبر منصات رقمية متعددة الوسائط والمعارف. لكن هذا الانفتاح أظهر وجهين متباينين لهذه الظاهرة، وكشف أن الأداة وحدها محايدة، والعبرة بمن يمسكها وإلى أي غاية يوجهها.
الوجه الأول يتمثل فيمن استثمر هذه المساحات لتقديم محتوى جاد ذي قيمة علمية أو معرفية، فصاروا نماذج ملهمة يقتدي بها الناس. فالشهرة الحقيقية لا تُقاس بعدد المشاهدات وحدها، بل بما تتركه من أثر في العقول والقلوب. فالشخصية الراقية والفكر النافع يجعلان صاحبها نجمًا حقيًا يزرع المحبة والعطاء، ويترك نفعًا يمتد حتى بعد رحيله. هذا الإنسان لا يعيش لنفسه وحدها، بل لمن حوله، يمنح العطاء دون انتظار شكر، مدركًا أن قيمته تكمن في الأثر الطيب الذي يحدثه في حياة الآخرين. إنه يدرك أن التأثير الحقي لا يُشترى، ولا يُقاس بعداد التفاعل، وإنما يُبنى بالصدق والثبات على المبدأ. فالكلمة المسؤولة تبقى، والفكرة النافعة تعيش، ويبقى صاحبها حيًا في ذاكرة الناس ما دام أثره نافعًا.
أما الوجه الثاني، فتحولت فيه الشهرة إلى هوس مرضي وحالة فراغ نفسي تحتاج إلى علاج. فأصبح السعي وراء الترند سباقًا محمومًا يدفع البعض إلى نشر أي قول أو فعل بلا معنى لمجرد البقاء في دائرة الضوء. أضاع هؤلاء الأخلاق، وسعوا في اندثار القيم، وتصدروا المشهد بالتوافه والاستهزاء وقلة الحياء، بلا هوية واضحة ولا هدف نبيل. همهم الوحيد تسويق أنفسهم واستعطاف المتابعين ليُقال عنهم “مشهورون”. والمؤسف أن كثيرًا منهم يخلطون بين الشهرة والقيمة، فيظنون أن الانتشار دليل على الصواب، مع أن الصدى العالي قد يكون لفراغ كبير. وهي ظاهرة انتشرت مؤخرًا وتحتاج إلى تحجيم وإيقاف لما تسببه من أثر سطحي وتافه، خصوصًا مع امتلاك بعضهم قاعدة جماهيرية واسعة. فمن يبني وجوده على الضجيج سرعان ما يخفت صوته حين يملّ الجمهور.
إن إدراك قوة وسائل التواصل يضعنا أمام مسؤولية أخلاقية لا يمكن تجاهلها. فالوقاية من هذه السلوكيات المرفوضة والعادات السلبية تبدأ بالتوعية، فهي خط الدفاع الأول أمام الانجراف خلف البريق الزائف. ولا بد من تعاظم دور مؤسسات المجتمع، ومشاركة المختصين والمهتمين في التوجيه والتثقيف، وتقديم التوصيات العملية، والعمل المتكامل مع وسائل الإعلام لبناء وعي جماعي رصين. وعيٌ يجعل الفرد يسأل نفسه قبل النشر: ماذا أضيف؟ وهل ما أقدمه يبني أم يهدم؟ فالحرية بلا مسؤولية فوضى، والشهرة بلا رسالة سراب.
والهدف الأسمى هو بناء جيل متوازن من الناشئة والشباب يكون قدوة لأقرانه وللأجيال القادمة، جيلًا من الصالحين المصلحين الذين يوظفون أدوات عصرهم لخدمة مجتمعهم. جيلٌ يختار أن يكون صانِعًا للمحتوى لا مفعولًا به، ويعلم أن القيمة لا تُقاس باللحظة العابرة، بل بالبصمة التي تبقى. فمن اختار الأثر، اختار البقاء، ومن رضي بالضجيج، رضي بالنسيان.
للتواصل :[email protected]



