الحِلم السعودي ليس ضعفاً.. والحرمين والسيادة خط أحمر

سعود حماد العنزي

هناك فرق كبير بين الحِلم والضعف، وبين ضبط النفس والعجز، وبين أن تمنح دولة كبرى للعقل والسياسة فرصة، وبين أن تكون غير قادرة على حماية أرضها وسيادتها.

ومن يقرأ الموقف السعودي تجاه الاعتداءات التي تتعرض لها المملكة هذه الأيام، عليه أن يقرأه بهذه المعادلة جيداً.

السعودية تحلم حين تستطيع الرد، وتصبر حين تملك القوة، وتمنح السياسة فرصتها وهي قادرة على حماية سيادتها.

وما تتعرض له المملكة العربية السعودية لم يعد حدثاً عابراً يمكن المرور عليه ببيان إدانة ثم طي صفحته وكأن شيئاً لم يكن.

اعتداءات بالصواريخ والمسيّرات، واستهداف لمنشآت مدنية وحيوية، وتهديد لأمن المواطنين والمقيمين، في وقت تؤكد فيه المملكة أنها لا تسعى إلى التصعيد، لكنها تحتفظ بحقها الكامل في الدفاع عن نفسها وسيادتها ومقدراتها.

وفي 10 سبتمبر تعرض خط أنابيب شرق–غرب في منطقتي الرياض والمدينة المنورة لعدة استهدافات، نتج عنها إصابات، فيما أعلنت المملكة أن المسيّرات جاءت من العراق.

ورغم خطورة الاعتداء، جاء الموقف السعودي ليكشف معنى الحِلم حين يصدر عن دولة قوية.

فبناءً على طلب رئيس الوزراء العراقي، آثرت المملكة عدم الرد في هذه المرحلة، وأتاحت للحكومة العراقية فرصة لاتخاذ الإجراءات التي تمنع انطلاق اعتداءات جديدة من أراضيها، لكنها أكدت بوضوح احتفاظها بحق اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بحماية سيادتها وأمنها ومنشآتها ومواطنيها والمقيمين فيها.

وهنا تكمن الرسالة التي يجب ألا تُفهم خطأ:

الحِلم السعودي ليس ضعفاً.

والصبر السعودي ليس عجزاً.

وضبط النفس ليس تصريحاً مفتوحاً لتكرار الاعتداء.

بل هو سلوك دولة تدرك أن قرار الحرب ليس مغامرة، وأن القوة الحقيقية ليست في إطلاق السلاح عند أول استفزاز، وإنما في امتلاك القوة والقدرة على تحديد متى وكيف تُستخدم.

وقد سبق للمملكة أن أكدت، عقب اعتداءات بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق في يوليو 2026، أنها لا تسعى إلى التصعيد، لكنها لن تتوانى إذا تعرضت للاعتداء عن اتخاذ ما يلزم لحماية سيادتها ومواطنيها ومقدراتها.

ولهذا فإن من يراهن على استمرار الحِلم السعودي إلى ما لا نهاية، أو يفسر ضبط النفس على أنه تردد، يرتكب خطأً سياسياً في قراءة المملكة.

للحِلم حدود، وللصبر حدود، أما السيادة فلا حدود في الدفاع عنها.

وهنا تصبح القضية أكبر عندما نتحدث عن وطن يحتضن الحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة.

مكة ليست ساحة حرب.

والمدينة ليست ميداناً للصراعات.

والمشاعر المقدسة ليست ورقة ضغط.

وأرض المملكة ليست مجالاً مفتوحاً لمن يريد تصفية حساباته الإقليمية فوق ترابها.

إن السعودية التي تستقبل كل عام ملايين المسلمين، وتسخّر إمكاناتها وأجهزتها الأمنية والصحية والخدمية لخدمة الحاج والمعتمر، من حقها أن تطالب العالم الإسلامي قبل غيره بموقف واضح تجاه أي اعتداء يهدد أرضها وأمنها ومقدراتها.

فمن غير المقبول أن تمد المملكة يدها للسلام والاستقرار، ثم تمتد إليها المسيّرات والصواريخ من محيطها الإقليمي.

ومن غير المقبول أن تتحمل السعودية مسؤولياتها تجاه استقرار المنطقة، بينما تعتقد بعض الجماعات المسلحة أن ضبط النفس السعودي يمكن اختباره مرة بعد أخرى.

السعودية ليست ميداناً لتصفية الحسابات.

ومن لديه خلاف سياسي فهناك الدبلوماسية، ومن لديه موقف فهناك المنابر الدولية، أما تحويل الأراضي السعودية إلى هدف عسكري فهو اعتداء على سيادة دولة، وتتحمل الجهة المنفذة مسؤوليته.

لقد أثبتت المملكة بالفعل أن الحِلم لا يمنع الحزم؛ ففي يوليو 2026 أعلنت تنفيذ ضربات على أهداف محددة في العراق مرتبطة باعتداءات استهدفت منشآت بترولية سعودية، ووصفت ذلك بأنه ممارسة لحق الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مع تأكيدها أنها لا تسعى إلى التصعيد.

وهذه هي المعادلة السعودية التي ينبغي فهمها:

يد تعمل من أجل السلام، وعين تحرس الوطن، وقوة مستعدة لحماية السيادة.

لسنا أمام دولة تبحث عن حرب، ولكننا كذلك لسنا أمام دولة تقبل أن تصبح أرضها هدفاً معتاداً للاعتداء.

ولذلك فإن الرسالة يجب أن تصل واضحة:

لا تختبروا الحِلم السعودي.

ولا تفسروا الصبر ضعفاً.

ولا تجعلوا ضبط النفس سبباً لمزيد من الاعتداء.

فالمملكة التي آثرت في مواقف محددة إعطاء الدبلوماسية فرصتها، هي ذاتها التي أعلنت حقها في الرد والدفاع عن نفسها، وهي ذاتها التي أكدت أن أمنها وسيادتها ومواطنيها ومقدراتها ليست محل مساومة.

والسعوديون يدركون جيداً أن وطنهم لا يبحث عن خصومة مع أحد، لكنه كذلك لا يسمح لأحد بأن يجعل من صبره جسراً للاعتداء عليه.

نحن دعاة سلام، ولكن السلام لا يعني التفريط.

ونحن أهل حِلم، ولكن الحِلم لا يعني الضعف.

ونحن نحترم سيادة الآخرين، ولذلك لن نقبل المساس بسيادتنا.

ويبقى القول الذي يجب أن يسمعه كل من يعتقد أن صبر المملكة بلا نهاية:

للسعودية حِلم الكبار.. ولكن عندما يتعلق الأمر بالوطن، فإن للسيادة كلمتها، وللدولة حقها، وللقوة وقتها.

هنا المملكة العربية السعودية..

هنا أرض الحرمين الشريفين.. وهنا وطن يحلم حين يكون الحِلم قوة، ويحزم حين يصبح الحزم ضرورة، ولا يسمح لأحد بأن يجعل من صبره مدخلاً للمساس بسيادته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى